أبي الفرج الأصفهاني

294

الأغاني

استبطأ عادة ابن يقطين فقال شعرا فعجلها له : قال : وكان عليّ بن يقطين صديقا لأبي العتاهية ، وكان يبرّه في كل سنة ببرّ واسع ، فأبطأ عليه بالبرّ في سنة من السنين ، وكان إذا لقيه أبو العتاهية أو دخل عليه يسرّ به ويرفع مجلسه ولا يزيده على ذلك . فلقيه ذات يوم وهو يريد دار الخليفة ، فاستوقفه فوقف له ، فأنشده : حتّى متى ليت شعري يا بن يقطين أثني عليك بما لا منك توليني إنّ السّلام وإنّ البشر من رجل في مثل ما أنت فيه ليس يكفيني هذا زمان ألحّ الناس فيه على تيه الملوك وأخلاق المساكين / أما علمت جزاك اللَّه صالحة وزادك اللَّه فضلا يا بن يقطين أنّي أريدك للدّنيا وعاجلها ولا أريدك يوم الدّين للدين فقال عليّ بن يقطين : لست واللَّه أبرح ولا تبرح من موضعنا هذا إلا راضيا ، وأمر له بما كان يبعث به إليه في كل سنة ، فحمل من وقته وعليّ واقف إلى أن تسلَّمه . نظم شعرا في الحبس فلما سمعه الرشيد بكى وأطلقه : وأخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال حدّثنا محمد بن يزيد قال : بلغني من غير وجه : أنّ الرشيد لمّا ضرب أبا العتاهية وحبسه ، وكَّل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه . فكتب إليه أنه سمعه ينشد : أما واللَّه إنّ الظلم لوم وما زال المسئ هو الظَّلوم إلى ديّان يوم الدين نمضي وعند اللَّه تجتمع الخصوم قال : فبكى الرشيد ، وأمر بإحضار أبي العتاهية وإطلاقه ، وأمر له بألفي دينار . رماه منصور بن عمار بالزندقة وشنع عليه فاحتقره العمامة : أخبرني محمد بن جعفر قال حدّثني محمد بن موسى عن أحمد بن حرب عن محمد بن أبي العتاهية قال : لمّا قال أبي في عتبة [ 1 ] : كأنّ عتابة من حسنها دمية قسّ فتنت قسّها يا ربّ لو أنسيتنيها بما في جنّة الفردوس لم أنسها شنّع عليه منصور بن عمّار بالزندقة ، وقال : يتهاون بالجنة ويبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا التهاون ! وشنّع عليه أيضا بقوله : إنّ المليك رآك أح سن خلقه ورأى جمالك

--> [ 1 ] هي عتبة جارية المهدي ، وقد اشتهر بمحبته لها وأكثر من تشبيبه فيها .